قراءة في كتاب: الجمهورية، لأفلاطون
- الكاتب أفلاطون – ترجمة: أحمد لطفي السيد
- دار النشر فاروس للنشر والتوزيع
- السنة 2016
- ردمك 978-977-756-062-7
- الحجم كبير
- التصنيف فلسفة
سياق القراءة
اشتريت هذا الكتاب إبان مقامي القصير في مدينة أكادير في عطلة 2017 الصيفية، من بائع متنقل يبيع الكتب أمام مركب محمد جمال الدرة الثقافي في حي الداخلة. اشتريت معه كتاب “الكون والفساد” لأرسطو وهو من ترجمة المترجم ذاته، كما اشتريت معهما كتاب “تاريخ الفلسفة الأوروبية” ليوسف كرم، والكتب الثلاثة للناشر نفسه وثمنها كان ثلاثون درهما للكتاب.
ملخص
يعتبر الكتاب مرجعا «أسطوريا» وتاريخيا في نشوء التأليف الفلسفي في التاريخ الإنساني الذي تعتبر أثينا مهدا له في القرن الخامس قبل الميلاد. يتأسس محتواه على حوار مطول يخوضه سقراط مع أديمنتس وكلوكون إضافة إلى شخصيات أخرى ذات حضور وتفاعل أقل. يناقش الكتاب قضية العدالة التي جعلها محورية على طول فصول الكتاب العشرة.
يقدم سقراط سلسلة حواراته التي ينسقها مع محاوريه بشكل بديع يعتمد على التسلسل والبناء المنطقي الذي يبدو منيعا على الدحض والتفنيد الذين عززتهما وداعة سقراط وروحه الرحيمة المتصفة بلباقة كانت حاضرة بشكل مؤثر ومستميل. سقراط يُفصل في عشرة فصول تصوره للنظام السياسي الأمثل الذي يضمن الى حد بعيد السعادة لجميع أطراف المجتمع الذي يُقسمه الى ثلاث طبقات وهي طبقة الحكام الفلاسفة الأرستقراطية والذين يتم انتقاؤهم باعتماد نظام صارم يعتمد على الحرص والتتبع وحسن انتقاء مرشحيه، ثم طبقة الحراس ثم الطبقة التي تجمع الحرفيين والتجار والعمال. فهو نظام ملكي أرستقراطي يقوده الفلاسفة.
المحاورات التي يحويها الكتاب غنية وزاخرة بمواضيع تناقش مسائل التعليم والتوسع والحرب والقضاء والمساواة بين الجنسين، إضافة الى نظرية المُثل التي أسس لها أفلاطون… هذه مواضيع يُفصلها أفلاطون على لسان سقراط في ضوء فلسفته المثالية التي لا تترك موضوعا إلا وقتلته تمحيصا ومعالجة في شكل حواري لا يخلو من تبسيط غير مخل ومن قدرة “سحرية” في الإلمام والإحاطة به. من المهم في هذا المقام أن نشير الى أن الكتاب يقارن الأنظمة السياسية “الممكنة” و”المتاحة” للاجتماع البشري وكيفية نشوئها وعيوبها ومنها النظام الديموقراطي الذي يراه أفلاطون معيبا كونه يؤدي إلى نشوء الاستبداد مهما طال عليه الأمد أو قصر. يعتبر المؤلف علامة على عبقرية سقراط من حيث فكره النقدي الوقاد وعلى عبقرية أفلاطون التي تتجلى في تنظيره التجريدي الذي يعتد بأصالته.
تفصيل
الكتاب الأول:
يتطرق هذا الفصل إلى سياق الحوار الذي سيستمر إلى نهاية الكتاب وفي بدايته يثار الجدل حول تعريف العدالة. فيقترح بوليمارك أن تُعرف العدالة على أنها “الإحسان إلى الصديق والإساءة إلى العدو” وهو تعريف سيقود الأطراف إلى مناقشة تعريف الصديق وتعريف العدو. أما ثرازيماك فيقترح أن تكون العدالة هي “الخضوع للأقوى” أما سقراط فيرى أن العدالة يجب أن تكون حسنة في وسائلها وفي غاياتها على أن الخضوع لا يصلح إلا لأن يكون وسيلة لها، لا غاية تنتهي إليها، أما تعريفه للعدالة فيراه في “سمو الروح وسعيها لبلوغ أقصى غاياتها الأخلاقية”، لينتهي الكتاب الأول بالتساؤل عن أفضلية الحياة بالعدالة أو بنظيرها: التعدي.
الكتاب الثاني:
ينتقل الحوار في هذا الفصل إلى تبيان العدالة في تنزيلها على مستوى الدولة والتنظير لها انطلاقا من تقسيم الأعمال والأدوار بين أفراد هذه الدولة تصريفا لضرورة احتياجهم إلى بعضهم البعض ولسد حاجاتهم التي تؤمن استقرارهم. فكلوكون يرى أن الناس عادلون لأنهم عاجزون عن التعدي، وهنا تتم مناقشة أسطورة خاتم جيجس التي تتحدث عن خاتم يخفي واضعه ما يجعله حرا في القيام بما يشاء دون يُرى. يسعى سقراط في طرحه إلى نقض هذه الأسطورة بتأكيد كون العدالة شيئا فطريا في الإنسان وإن زاغت به بعض الغرائز عنها.
يقترح سقراط تأسيس جيش يتم تدريبه بالموسيقى والرياضة البدنية وأن يُختار له من الشِعر أجود ما يقوي الهمة
والشجاعة والفضيلة فيه لعله يكون وديعا مع مواطنيه وشرسا مع الأغيار.
الكتاب الثالث:
في هذا الفصل يفرض سقراط حظرا على الشعراء في المدينة التي يُنظِر لها إذ يرى أنهم يقلدون التقليد ويرققون مشاعر الناس بشكل يؤدي إلى خراب نفوسهم وانحرافها. أما تربية الحراس والجنود فيرى أنها تعتمد على الموسيقى لتعليمهم الحكمة والعفة والشجاعة إضافة إلى التدريب البدني الذي له فضائل لا تقل عن فضائل التعليم العقلي .
ينتهي الكتاب بضرورة الكذب على المواطنين وتبني أسطورة تقول أن الناس معادن ويجب أن تختلف أدوارهم في هذه المدينة وتتوزع عليهم باعتبار قيمة هذه المعادن التي تُكَونُهم فالذهب يحكم والحديد يُطيع، أما تقلد مناصب الحكم فلِلأكبر سنا ويرى أقل سنٍ للحكم في سن الخمسين.
الكتاب الرابع:
بعد معالجة مسألة اختيار الحكام وتوزيع الأدوار والأعمال وتدريب الحراس بقي تحقيق النظام في المدينة والسير بها نحو السعادة وهو ما يراه سقراط ممكنا بتحقيق أربعة فضائل أساسية يجب أن توجد في الدولة كما في الفرد وليست الدولة إلا نموذجا مكبَرا للفرد. هذه الفضائل الأربع هي: الحكمة والشجاعة والعفاف والعدالة. فالحكمة لحكام المدينة والشجاعة لحراسها والعفاف بتحقيق التوازن بين الجانب العلوي في الإنسان وهو العقلي وبين الجانب السفلي في الإنسان الذي يعتبر شهويا ثم الجانب المتوسط بينهما وهو حماسي غضبي. فالعفاف هو تحكم العلوي في السفلي عبر الجزء الذي يتوسطهما.
أما العدالة فهي أن يلتزم كل فرد بما لديه من دور دون أن يتعداه إلى آخر وأن يحافظ على ممتلكاته دون أن يتعداها إلى ممتلكات غيره .
الكتاب الخامس:
يمتد الحوار إلى تناول النظام السياسي الأمثل للمدينة والذي يراه ملكيا ارستقراطيا يحكم فيه الفيلسوف الذي يسهب في تعريفه بكونه يصل إلى المعرفة والجدل وبكونه يختلف عن العامي الذي لا يملك أكثر من مجرد تصورات أو آراء عن الأشياء فبين الحقيقة والجهل يوجد التصور .
أما عن النظام الاجتماعي للحكام فهو يقول بشيوعية النساء والأطفال أي أنه لا يعترف بنظام الأسرة فكل أطفال الحكام مشتركون ويجب أن لا يعرفوا أباءهم الحقيقيين وأن لا يعرفهم آباؤهم وأن لا يلتزم الأزواج بعلاقة واحدة لعلهم يعتبرون كل الأطفال مِلكهم وكلَ الأزواج لهم على النحو الذي يقودهم إلى مزيد من العدل والأخوة وعدم الانحياز.
في هذا الفصل تدقيقات مهمة تروم علاقة الأفراد في طبقة الحكام كما تروم نظرية المثل ونظرية المعرفة.
الكتاب السادس:
يطور سقراط في هذا الكتاب السادس تعريفه للفيلسوف فيقول أنه يرى ما هو حقيقي خالد فيعتبر الفيلسوف الحقيقي بصيرا عكس العامي أو السفسطائي الذي يعتبره أعمى، ذلك أنه لا يبلغ بإدراكه أكثر من تحسس الأشياء المؤقتة والمنمطة التي تتخذ أنساقا وأشكالا غير خالدة لا تصلح إلا للتمثيل أو التمثل. فالرياضيات في نظره مهما بلغت من التجريد تبقى ترميزا للحقيقة التي لا تحتمل أي شكل فهي هي! والفيلسوف الحقيقي لابد أن يكون نزيها ومنصفا وعادلا ومجتهدا ليراها ويبلغها. يعترض اديمنتس باحتجاجه بكون الفلاسفة حقا شواذا وغريبين فيجيبه سقراط مقترحا مَثَل السفينة التي يقودها ربان لا يعرف عن الملاحة شيئا ويتبعه طاقم السفينة في ذلك لتملقهم أو لخوفهم فينبذ الفيلسوف فيها لكونه الأذكى والأعرف بالملاحة فيُنعت بالشاذ الغريب الذي لا يجب أن يؤخذ بما يقول وبما يفعل .
في هذا الكتاب يتطرق سقراط إلى مفهوم الخير الذي يعتبره النور الذي ترى به النفس الأشياء الجميلة والفضائل التي تحقق بها توازنها فهو الأعمق والأغنى عن كل تعريف وبه تظهر العدالة والجمال والمعرفة.
الكتاب السابع:
أسطورة كهف أفلاطون التي لا تخلو من رمزية عميقة وأقل تمنعا في الفهم تجد مهدها في الكتاب السابع من الجمهورية. تقول الأسطورة التي صاغها أفلاطون أن في أحد الكهوف يوجد مساجين لا يملكون الالتفات إلى ورائهم وكل ما يرونه أمامهم هي ظلال تنعكس على جدران تقابلهم بسبب النور الذي يأتي من ورائهم فيعتقدون أن تلك الظلال هي حقيقة الأشكال التي يرونها، حتى ولو انفلت أحدهم وتحرر وخرج من الكهف ليرى حقيقة الحياة خارج الكهف لإعاقه النور أول الأمر حتى لو ألفه تعجب من الفرق بين الأشكال الحقيقية وظلالها، ولو عاد إلى الكهف لينذر زملاءه ويحررهم لم يصدقوه واتهموه بالجنون وهموا بقتله.
يستمر سقراط في توضيح خطته في تدريب الحكام الفلاسفة بتعليمهم العلوم ومنها الرياضيات والهندسة ويؤخر المنطق حتى يبلغوا الثلاثين على الأقل وذلك حتى لا يفسد المنطق اعتدادهم بذواتهم فيقودهم إلى سوء الجدل والسفسطة، ذلك أن المنطق والحجاج يلزم له النضج حتى لا ينحرف بصاحبه عن البحث عن الحقيقة ويقوده الى شخصنة النقاش.
الكتاب الثامن:
في هذا الفصل يُفصل سقراط بشكل متسلسل تولد أنماط الأنظمة التي يمكن لدولة ما أن تتبناها وهي أربعة يعتبرها أمراضا تعتري الدولة فهي: التيماركية وهي حكم العسكر الذي يسعى إلى الاغتناء سرا بسبب انحرافه عن تكوينه بالفلسفة والقيم.
الأوليغارشية: هي حكم الأغنياء فترتبط فيها قيمة المنصب بحجم ثروة صاحبه. وفيها يتربص الفقراء بالأغنياء في انتظار اندلاع ثورتهم عليهم.
الديمقراطية: هي التي تضمن الحرية المطلقة التي يحكم فيها الفقراء بعد ثورتهم على النظام الأوليغارشي يضمنون فيها حرية الأفراد وعيبها انها تؤدي في الأخير إلى الاستبداد باتخاذ الشعب وكيلا يحميه من الأوليغارشية.
الاستبداد: ينطلق كيانه بإشغال حامي الشعب المزعوم شعبه بحروب يثبت بها ضرورة وجوده فيهم وتسلطه بشراء المقربين إليه فيضمن مصالحهم حتى لا ينقلبوا عليه. ليبقى النظام الملكي الارستقراطي الذي يحكم فيه الفلاسفة أفضل الأنظمة وأسعدها لو تحققت شروطه.
الكتاب التاسع
هل حياة الدكتاتور سعيدة؟ سقراط يقول لا، فالظلم والاستعباد الذي يمارسهما داخل دولته ليسا إلا انعكاسا لحالة الظلم والاستعباد الذي تمارسه أهواؤه في نفسه فلا يستقر لها مُطمئَن ولا تكتفي من الشهوات أبدا. فحال نفسه ليست أحسن من حال دولته .
ثم يفصل في أمر اللذة والألم ويبين انخداع العوام بالحالة الوسيطة التي تكون بين الألم واللذة فيعتبرون غياب الألم لذة ويتوقفون في سقف الحالة الوسيطة معتقدين أنها اللذة الحقيقية .
يصنف الفيلسوف الناس إلى ثلاثة أصناف وهي: الفيلسوف وطالب المجد وطالب الكسب، فالفيلسوف أكثرهم إستلذاذا وسعادة ذلك أنه تجاوز كل تلك الشهوات واستقر على محبة الحكمة والتزام التعقل وهما أعلى اللذات وأسعدها. والنفس على نفس المنوال يمثل لها بإنسان يحوي داخله وحشا قبيحا متعدد الرؤوس وأسدا وانسانا فلو حكم الوحش غلبته شهوانيته التي لا تنتهي منازعها ولا تستحيي ولو حكم فيه الأسد فسيقوده إلى الغرور والاندفاع الأعمى ولو حكم فيه الإنسان حصل إذا على التوازن والعدالة.
أما عن الجمهورية المثالية التي يُنَظر لها أفلاطون فهو يقول -على لسان سقراط- أنها لا توجد على الأرض بل هي في العالم العلوي وعلى الفيلسوف أن يطيع قوانين هذه الجمهورية وحدها وليس غيرها.
الكتاب العاشر
الشعر التقليدي يفسد النفس إن لم نملك له دواء المعرفة، فالشاعر كالرسام الذي يوهم برسم السرير وما هو بسرير فصورة السرير في عالم المثل أحق وأكمل وصانعها على الأرض مقلد من الدرجة الثانية أما الرسام فهو مقلد من الدرجة الثالثة. كما يعرض أن الانفعال والانسياق بضعف وراء الألم تقليد لا يليق بالفيلسوف كما لا يليق به فرط الانفعال على وجه العموم فالتوازن والتفاعل المدروس مع أي حدث كيفما كان هو ما يجب أن يلتزم به .
بعد الحديث عن خلود النفس وعن موتها بالشرور التي يضاعفها فيها التعدي والتي ستشفى منها على كل حال، ذلك أن الشر ليس خالدا وان العدالة تنتهي بأن تسود في الأخير.
ينتهي كتاب الجمهورية بتصوير لغوي بديع لتنقل الأرواح بين الكائنات بعد موت الأجساد عبر الحوريات وهي أسطورة بالغة الرهافة والرمزية وجمالية التصوير.
ماستفدته من الكتاب:
- أصالة الفلسفة الإغريقية القديمة أعمق وأكبر مما نتصوره عن بدائية تلك الشعوب التي ما فتئنا نعتقد أنها لم تكن مشغولة الا بالحروب والهمجية في تصرفات أفرادها.
- عدم تفضيل أفلاطون للديموقراطية وتبيان عيوبها التي قلما نعيها في خضم هذا الدفاع المعاصر شبه الأعمى عنها.
- أن البناء المنطقي والتجريد يمكن أن يقودنا الى أبعد مما يمكننا تصوره في بلوغ الحكمة واستشراف التنزيل القدير للقيم الجوهرية النبيلة والخالدة.
- الحوار فن لا تقل أهمية تقنياته وأنموذجات* التفاعل فيه عن أهمية محتواه.
*أنموذج: استفدت في تبني هذا المصطلح من اجتهادات الفيلسوف طه عبد الرحمن وهو ترجمة لمصطلح Paradigm وتجوز ترجمته أيضا بتعبير: “إطار التفكير” أو “نسق التفكير”.
مصادر بالفرنسية:
https://gregoireperra.wordpress.com/2012/02/14/fiche-de-lecture-de-la-republique-de-platon
http://la-philosophie.com/la-republique-platon
https://www.les-philosophes.fr/la-republique-de-platon.html
