داموح
مدوِن ومصمم مرئيات
داموح
مدوِن ومصمم مرئيات

مدونة

قصة اكتئاب عريضة

4 أبريل، 2024 مقالات
قصة اكتئاب عريضة

يبدأ الأمر في غالب ما يبدأ دون أدنى إرهاص كأن يحصل بعد قيلولة عادية أو عقب عودة من مشوار، قد يحصل بعد مشاجرة أو عقب الرجوع من مناسبة بهيجة ما… يبدأ دقيقا ورقيقا مثل تلاشٍ هادئ لابتسامة! 
حركة التلاشي تلك توازي ذلك الإنحدار الداخلي السلس الأشبه بانسلال قهري جاذب في بِرْكة السواد الزيتي ثقيل الميوعة ذاك، أو قل هو تصاعد للون كحلي يملأ بياض العينين. لتنقدح الحرائق عقبه فتعم كل أخضر تنبض فيه الحياة بدواخل المرء التي لا يوازيها فيما تنطوي عليه إلا متسع الكون خارجها.
آنذاك يبدأ خذلان الذات وتفشل الكينونة في القيام بمن يحملها فيُرى الذوق في انقلاب ويُشهد على الحواس حين تبيع ذاتها للزيف والإلتياث مثل بنات الأسير المسبيات.
أما العقل فهو آخر من يستسلم… لكنه يستسلم! ولا يملك أن ينتصر على ذاته اذ لا ذات له. تبقى ذكراه فقط أو ما يشبه صداها الشَّرطي في تجاويف ما تسكنه بقايا الروح العصية على الإفناء…

يحدث هذا قُبيل فقد المرء للإتزان، لتتوالى عليه استحكامات الأشطان مستميتا في نكران ما يرى أنه غير السراب؛ يتقهقر في غير عزم إلى أن يكتشف أنه لا يملك أن يوقف الطوفان… ثم يدخل على غير استعداد الى حفلة ما يمكن أن يسمى بسُخرٍ”تدشين الأفول”: فيه تتعاقب أعراض الإصابة من الصدمة والخوف المرضي ورهاب الانسلاخ القيمي مما تبعثُه المجاهيل الكامنة في النفس فيشهد في حسرة ذلك الافتراس العدمي العنيف الواقع للثقة بها، ثم يبدأ التمهيد المُهين للتمكين الجبري لسردية “اللّاسردية” مع سَميتِها “اللّامعيارية” التي تبدو كالفيل الماموث الكبير الذي سيتم إدخاله عنوة إلى داخل غرفة الإنسان الداخلية التي ستمسي أضيق من أي فرن يحدُّه سطح ولا تحدُّه جدران!
هكذا يبدأ الأمر قبل أن يستقر و يستتب المُلك الكحلي لأمواج الظلام فيك أيتها النفس التي لن يرحمَك ما سيجري فيك داخلا ولن يرحمَك ما سينتظرك خارجا وأولهم “الأسوياء” الذين سوف يلتفون حولك التفاف البوم الأنيق الخاشع في تقليد الحكماء!

وماذا بعد ؟

يستقر التغلب للمد السرطان، تتشوه المعارف والمفاهيم في العقل وتنقلب المعايير فيه لينقلب كله الى ضد ما وُجد له، فينير بضوئه الليلي مسارات الإفساد ومساعي الإطفاء لكل نجمة تتحدى إغطاشات المرض ويا يلتاه لمن كان عقله في نهار الخير والصحة أبدع وأصدع لكم يَفظُع ويُفظِع في حندس السوء والمرض، بحركته التي لا اكتفاء عن الهدم يحدُّه فيها. 
أما القلب فلا تطيب له سوية الخفقان حتى يرى أسوار الفضيلة العالية العتيدة التي لا تلحقها الأيادي، في هبوط وسيلان لتغدو كثبانا مهيلة يداس عليها وتُتجاوز بلا حرمة ولا مهابة فَيسويها التعدي والانتهاك المتشفِّي سهولا صلبة مقفرة، يُسعى فيها بنشدان مجرد إغراء الصعود والهبوط أو مجرد ما يَشفي شبق الإندفاع والاقتحام فلا يُلقى ولا يُلفى بعد إدمان! 

بعد الغَمر والهيجان بين لطائم التخريب الذاتي الكُنهي… يبدأ فصل الملل الدوري بالرسو على سواحل السأم والفراغ الممتدة، حيث الصحراء سوداء، حيث كل شيء أسود يُطمس فيه كل ما ينذر بتفتق طيف بياض.
قشرة البيض سوداء،
دموع الرضيع سوداء،
أسنان القينة الفردوسية سوداء،
وحلمات السلو الأمومي القديم حامضة وسوداء…

 والألم ؟ أين هو؟ أين تم نسيانه مع الحوت في الطريق؟
أين بركته التي بها يُعرف دليل الحياة وأين لعنته التي بها يُبصَق على طبيب النجاة ؟ 
أين هو وقد انطفأت لُهوبه التي أمست نسائم يُنَقب عنها في كل شبه غيمة يصنعها السراب… فظاعة انسحابه هو أيضا لا توصف إلا لمن خبِر ثقل تبلد القابلية للألم، فكيف يوصف ألم المشلول الذي لا يملك أن يدرك ألم الشلل، بسبب شلل الألم!

يطول الأمد وتمضي الحياة وتُشاهد ويُشهد عليها في حضور مبحوح خلف سياج الغياب، ولأن العالم مدينة وليس بيداء، يزداد الإنتهاك بتلقي الإنتهاك وتُقابل الصفعات بالطأطآت ويُعطى الخد الأيسر لمن خذله التشفي في عَض الخد الأيمن.
تَجلِب الدوامة التراكمات، وتُمعن الأحوال بالإغراق في الأوحال وتمر المحاكمات على المتهم المجلوب مر السحاب، فيبقى قائما الى أن يستكثر عدَّ القضاة، بلا لسان، بلا شهود ولا محام، ولا منهم من يرحم فيحكم بالاعدام، وَوُجب استغفار الولي الخصيم المُبرَّإِ استعطافا لمسلخة الاحتدام…

يطول الأمد، يُسايَر الدور ويُغذّى بتسلسل الانفراجات فيُأبَّد العود بالإيهام تلو الإيهام… قوة تأتي فيغلبها الضعف ثم ضعف تزهقُه القوة، عقد يُفجره الحل ثم حل يجمعه العقد باستجلاب هِمة؛ تتوالى ولادات الولادة، ويسقط القِشر بعد القِشر حتى تعرى النواة! 
هكذا الشهور والسنون تسيل بما يسري إلى أن يتجلى فقد كل مراد، ثم يُتَبصّر بحدٍّ ليُعرَف عن قطعٍ ما يراد أن يكونَ هو المراد. 
هنا، أي هنا… حيث لا يُدرَك إلا بعد فواته: يأتي ٱمتحان القراءة وفيه يُعَز المرء أو يُهان!
في زاوية الروح القصية تلك، يُؤتَى بالصفقة ويقع التسليم والتفاوض على ثمن المتاح ولا متاح إلا اثنان. كلاهما واحد في بلورة القطع الذي سيحفر مَعاد جمْع الكيان فيُعِده لما يعقب النجاة من الهلاك بعد الإفلات بالبقاء حيا أمام استفزاز مَقَاتِل الإمكانات، والشفاء من البكاء أسىً على رفاق البلاء الذين هوَوا فلم تُكتب لهم النجاة!

متاح أول: 
لذة تنعش الكيان في الآن، كشربة ماء لعطِشٍ هالك في الصحراء ثم القنوع بلزوم واحة عمرا يكفي فيها للانتشاء. يُعدَم فيها ما يدرِك سحر الوجود في الوجود مقابل القنوع بما تجود به آفاق الحس بلا حس خلود، كأي معطوب حرب نجى فيفي للحياة ما وفت له.
والثمن؟
اعتناق ما لا يُتْعِب من الشطن وارتداء درع تشتريه النفس في سوق النخاسة الوجودي من سلوان بن خذلان.

ومتاح ثانٍ:
طيب يحقق فيه المسعى نحو الكمال وترتق فيه صدوع الرهبة من مراقي الجمال، ثم قوة وسعادة بين الخلق لا يدركها سلطان الآل. الزمن فيه يُطوَّع ليُعرَّض وإن قصر ما هال. 
والثمن؟
مزيد ألم يُرهق الكيان ويحرق ملتاث الوجدان، مثل كيٍّ سقيم تُلعن فيه أرحام الأمهات الوالدات المُشْقيات، ثم تسليم وصبر على المسير مع عُمران بن حَصِفان.

 أما متاح آخر غيرهما فهو ثالث مرفوع لم يذكر لأنه خارج الحياة وذلك لأن الكلام هنا عن النجاة ولما كان الكلام خطاب والخطاب محكوم بشرع السعي به لشيء ما عند المخاطب وكان المخاطب هنا إما ناج أو ساع لنجاة، وَجب أن يُرفع هذا الثالث فيُنفى وينكَر كأي فوات.

كيف تغلب الكف المخرز ؟
كيف  يمزق الوجود العدم ؟
كيف تنهض العنقاء من الرماد ؟
كيف ينتصر الرسول ؟
كيف يُذبح إسماعيل ؟

بالإيمان؛
ولو كان مثقال ذرة، كأي شق تمرة! لَتؤتيَن أُكلها ولو بعد حين… وفي المقابل: ليبرُعَن الشر ويعلون كأي نار نمرود! ثم لَتُخمَدن في فشل ولو بعد حين…
هذا حل معادلة كل شيء! ولا جدوى من البحث عن المعادلة، لا جدوى! فلا جُزءَ يملك اعتقال عِقال كلٍ غالبٍ محيط!
الحلُّ يكفي بلا زيغ، ومكمنُه في الصبر على اختيار المتاح الثاني وهو عصيب به بتر وإحراق لما غمره نفط المرض و أثقلته أشابيك الغمل والخيبات والشكوك والإشفاقات على سوء الأحوال…
فليكن حرقا إحتفاليا بطوليا يواجه تهويلات الألم بسخرية يستمدها من قوة إستشرافية للمآل الموعود تُلهمها فراسَةُ الإيمان!

إمكان المتاح الأول طبيعي واختياره إخفاق إتصالي (مثل إخفاق ابن العادة حين يتصل بمآلها) تستطيع الحسابات توقعه يسري على أي كائن طبيعي خاضع لقانون السبب والمسبب في مساره المفترض العادي.
إمكان المتاح الثاني إعجازي غير طبيعي واختياره تحقُّق إنفصالي (مثل تحقق ابن الطفرة بانفصاله عن نقيضها) يخرق الحسابات وفيه قال الملائكة من قبل ما علِمَت فرُدّ عليها: “إني أعلم ما لا تعلمون”.

وبعد ؟

 وبعد: “يا شقي أو سعيد”! مصداقا لقدَر ثم استجابةً لإمكان أورثه وجوب. كأن اللوح المحفوظ ما قهر وما ظلم ولا سلب، أو كأن الشأن كله دوري ينتهي فعلا إلى ما قد وجب فيه أن يبدأ!

كلمات دليلة:
3 تعليقا
  • سعيد 12:48 ص 4 أبريل، 2024 رد

    حفظكم الباري بحفظه.
    تعليقي عبارة عن سؤال وهو كالآتي:
    لماذا نجد العلمانيين يبسطون مقالاتهم وشبههم إلى أقصى حد ممكن ليتشربها كل من اطلع عليها ولو لم يكن له مستوى ثقافي معين، فنرى شبههم وأباطيلهم تنتشر انتشار النار في الهشيم،بينما اصحاب الحق نجد خطابهم نخبوي لا تفهمه إلا فئة قليلة،ونصكم نموذج على ذلك ؟
    أحبكم في الله

    • داموح 12:54 ص 4 أبريل، 2024 رد

      لي نصوص بسيطة ولي أخرى عميقة ولي أعمال أبسط بالأمازيغية الأمية، منافسة السفهاء لا تجدي بوسائلهم!

  • Abdallah Iblihi 5:42 ص 4 أبريل، 2024 رد

    وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رمادا بعد إذ هو ساطع

أترك تعليقا