مفهوم الإله
مدخل
الإيمان فعل إرادي حر وهو ككل الأفعال الإرادية يحمل خاصية الوعد: فكما يعدنا الفعل العقلي بمنحنا فهما مبررا ما، ويعدنا الفعل الشهوي بدفع الألم، ويعدنا الفعل الأخلاقي بالسعادة، كذلك الايمان يعدنا بالخلاص. فبماذا يجب أن نؤمن ؟ بمن يجب أن نؤمن ؟ لماذا يجب أن نؤمن ؟ هناك من يقترح علينا الإيمان بالله، فمن أين أتى بتلك الفكرة ؟ ومن هو الله، أي من هو الإلٰه؟!
ارتباط فكرة الإلـــه بظهور اللغة
تبرر فكرة الإلٰه وجودها بواسطة اللغة التي تستجلب معنى ما تقبله النفس ويقوم بها أو تدرَؤُه لأسباب ذاتية فيها، فبدون الألفاظ التي تنتظم بشكل نسقي ما لا يمكن الحديث عن أي فكرة أو مفهوم دون هذه الواسطة التي ارتبط ظهورها المُلغِز بظهور الإنسان العاقل.
قد توسل الإنسان منذ القدم، السردية والرمزية للفهم والتعبير عن فكرة هذا الإلٰه ذلك أنه لم يستطع إلا تتبع تجلياته التي لا حصر لها في وجوده ولعل الأسطورة والنص المقدس والمتن الهدائي ليسوا أكثر من وسائل لحمل تلك السردية والرمزية وتفعيل رسوخهما في الذاكرة والحُلم الجمعيين.
في الحاجة الى الإله لتفسير ظواهر القوة في الطبيعة
بغض النظر عن موضوعية مسألة وجود الإلٰه أو كون وجوده حقيقة خارجية عن ما تُصوره النفس البشرية وما تعقله، فإن هذه النفس تحمل نزوعا غريزيا وميكانيزمات نفسية تسعى إلى التأليه وإعلاء موجود ما وإضفاء صفة القوة والغموض والسماوية عليه. فالإنسان إذا يحمل استعدادا قبليا وتأهبا ما لتلقي هذا المعنى والاطمئنان إليه.
إن استقراء تاريخ البشر وتتبع طبيعة علاقتهم مع ما يرون فيه خصائص الألوهية، يحدد العلاقة بين المُؤَلِه والمُؤَله في خضوع الأول وامتثاله لقوة الثاني وطلب تسخير تلك القوة لمصلحته، وقد بدأ ذلك بتصورات تتسم بتعدد الالهة و تصنيفها وفقا لقوتها وربطها بقوى وظواهر طبيعية كان الإنسان يخاف منها ويرى فيها غموضا ولا يجد لها تفسيرا أعقل من مما تقدمه السردية الأسطورية أو الرسالية.
تعتبر فكرة الاله أحسن خادم للمعنى وقد كانت دوما حلا سحريا لمشاكل نفسية ووجدانية وعقلية تعترض الإنسان ومنها حاجته إلى العزاء، وميله الغريب إلى الامتنان، وتبريرِ ظواهر القلق الوجودي والفناء وغيرها… ثم أن للإنسان أطيافا روحية – اذا تم الإتيان بالأسباب النفسية لها – تجعله كائنا مُنْتَوِعا ومبدعا يصعب توقع حركاته وتفاعلاته وذلك ما نكاد لا نجد له تفسيرا لا ينتهي إلى فكرة التجلي الالٰهي، أما عقليا فأغلب التصورات والبناءات العقلية تنتهي إلى تأكيد حصول مركزية متناغمة ما للقيم والأخلاق والأنساق العقلية والقوانين المنطقية التي تحكمها حتمية ما كقانون اللزوم مثلا…
الدين الطبيعي خبرة جمعية للخضوع لقوة الإلـه
يعتبر الدين نشاطا جماعيا منظما، فلا دين بدون جماعة، وهو ما يرسخ للامتثال لقوة ما يعتقد أنها إلهية وهذا امتداد لتنظيم علاقات القوة بين أفراد الجماعة. الدين يقترح تصورا شموليا للوجود يكون الإلٰه هو المبرر له. كما يزود الجماعة بأشكال ثقافية من الممارسات والطقوس والسرديات لتقريب الإلٰه من المؤمنين بشكل يَخبرون فيه تأكيدا لذواتهم وإلغاء لها في الوقت نفسه.
تؤثر العديد من العوامل في تشكيل صورة للإله لدى قوم ما ولعل أبرزها هو عامل الجغرافيا، فالأقوام التي تستقر قرب الوديان وتتميز أراضيها بالخصوبة ترى الهها قريبا ويستطيع أن يحل في الإنسان أو يتبناه، أما الأقوام التي تستقر في الصحاري والأماكن التي تقل فيها الخضرة فترى الهها بعيدا ويصعب الوصول إليه، ما يجعله أكثر تجردا ومفارقة لها. أما قوة تماسك السردية لاهوتيا ودفاع الشخصيات الكاريزمية عنها فتعتبر من العوامل التي تدفع قوما ما لتبنيها والإيمان بها.
في ما يلي سرد موجز لتطور فكرة الإلٰه من أقدم الديانات إلى أحدثها :
- الوثنية : تعتبر الوثنية من أقدم الديانات التي كانت تربط الظواهر الطبيعية والإنسانية بآلهات متعددة كانت الأقدم منها مؤنثة، وكانت تقدم لها القرابين ولها تجسيدات مادية في النقوش والتماثيل والمعابد الكبيرة، ولعل أكبر الحضارات الوثنية التي أثرت سردياتها في التصورات اللاهوتية اللاحقة هي حضارة مصر القديمة التي أسست للضمير والبعث والحب علما أن أحد الفراعنة المسمى أخناتون كان قد أراد توحيد الاله في مملكته وسماه “أتون” إلا أن مشروعه اللاهوتي لم ينجح ولم يَطُل.
- الزرادشتية : هي ديانة فارسية أنشأها الفيلسوف زرادشت وهو الذي يعتبر الموحد الأول في التاريخ رغم ما يشوب توحيده من ثانوية. للزرادشتية كتاب يسمى الأبُستاق وتصوره يقول إن للعالم إلٰهان منهما خالقه “أهورمزدا” وهو إلٰه الخير والنور ثم إلٰهاً للشر والظُلمة يسمى «آهرمان». أما طقوس هذه الديانة وهيكلها العقدي فقد أثروا في الديانات الموصوفة بالتوحيدية لاحقا وهي اليهودية والمسيحية والإسلام.
- اليهودية : هي انتماء عرقي تم تكوينه بين بعض القبائل الكنعانية التي كانت تدين بما كانت تدين به بعض المجموعات العرقية على أرض كنعان، وصفت بالوَحدوية بدل التوحيدية من قبل بعض الباحثين لكونها تعترف بآلهٰات أخرى ولكنها تعتبر “يهوه” إلٰها واحدا حقيقا بالعبادة وخاصا باليهود أما صورته كما تُستقرأ من التوراة فيشوبها الارتباك إذ يبدو غاضبا وساخطا ويندم على أفعاله ويهزمه يعقوب الذي سمي بإسرائيل لفعله ذاك.
- المسيحية: تنسب إلى يهودي اسمه عيسى ثار على العقيدة الإقصائية لليهود وبشر بألٰه وديع ومحب للبشر… فسلموه للرومان الذين كانوا يحكمون أراضيهم فصلبوه، ليحمل تلامذته تعاليمه إلى مصر واليونان وكان أبرزهم بولس. تأثرت كثيرا صورة إلٰه المسيحيين بالتصورات التي تبنتها الكنائس الكبرى في بيزنطة ومصر والشام فمنها من يقول أن عيسى ابن للإلٰه ومنها من يقول أنه مجرد رسول له، فقاموا بتأسيس مجمع كنسي يوحدون فيه تصورهم لهذا الاله، ليجمعوا على أن المسيح هو الاله بنفسه في تجسد بشري، وهو ما فتح الباب لإشكالات لاهوتية عويصة.
- الإسلام: بعد خبرات روحية طويلة من الاعتكاف في غار حراء كان محمد بن عبد الله والذي كان يعرف أيضا بقُثم بن عبد اللات، يدين بالحنيفية التي كان يدين بها النبي إبراهيم وكان يؤاخذ على اليهودية والمسيحية أنهما انحرفتا بالرسالة الإبراهيمية بسبب كل تلك التعقيدات التي طرأت عليهما. فكان الحل الذي يقترحه القران لحل الإشكالات اللاهوتية التي كان يراها في المسيحية واليهودية هو تقريره أن الإلٰه ليس كمثله شيء وهو وحده لاشريك له ولا إلٰه غيره في الوجود وهو رب العالمين. فكانت الدعوة لتوحيد هذا الاله في الحالة الاسلامية صريحة وقاطعة دون أن تنفي الكثير من الصفات عنه.
خاتمة
كان مفهوم الإلٰه موضوعا للنشاط الفلسفي منذ بداية الفلسفة عند الإغريق ومازال صدى البراهين العقلية القديمة المدافعة عن واقعية وجوده ونظيرتها التي تنفي وجوده، يتكرر إلى اليوم في بنى فلسفية لا ينكر أكثرها جموحا أن هذه الفكرة جالبة للمعنى بغض النظر عن واقعية كنهها، ولنا في ختام هذه المقالة ذكر لما قاله ثلاثة فلاسفة كبار عن الإلٰه:
نيتشه: “إن كنت سأؤمن بإلٰه ما، فسيكون إلها راقصا”. كتاب هكذا تكلم زرادشت”.
ابن عربي : “لو علمتَه لَمْ يَكُن هُو، وَلو جَهلَك لَمْ تكن أنت: فبعلمه أوجدَك، وبعجزك عبَدتَه! فهو هو لِهُوَ: لا لَكَ. وأنت أنت : لأنت وَلَهُ! فأنت مرتبط به، ما هو مرتبط بك . الدائرةُ – مطلقةً – مرتبطةٌ بالنقطة . النقطةُ – مطلقةً- ليست مرتبطةً بالدائرة، نقطةُ الدائرة مرتبطةٌ بالدائرة”. كتاب الفتوحات المكية.
محبة الاله عند سبينوزا : “من كان يعرف ذاته وانفعالاته بوضوح وتميز كان يحب الله، ويزداد حبه هذا بقدر ما تزداد معرفته لذاته وانفعالاته“. كتاب علم الأخلاق.
المصادر:
- https://www.telegraph.co.uk/news/politics/8510711/Belief-in-God-is-
part-of-human-nature-Oxford-study.html - https://plato.stanford.edu/entries/moral-arguments-god/
- https://plato.stanford.edu/entries/concepts-god/
- https://www.youtube.com/watch?v=WAscka0inrk&t=1238s
- https://www.npr.org/sections/13.7/2016/12/07/504650215/
were-neanderthals-religious?t=1585222330305 - https://www.al-jazirah.com/culture/2010/10062010/fadaat26.htm
- https://www.maghress.com/almithaq/123982
- https://www.amazon.com/History-God-000-Year-Judaism-Christianity/dp/0345384563
- https://www.goodreads.com/book/show/6537168
- https://www.goodreads.com/cs/book/show/13422597
- https://www.goodreads.com/book/show/6952408?from_
search=true&from_srp=true&qid=1hUaNyg3L1&rank=1 - https://www.goodreads.com/book/show/6386367
الكاتب
داموح: مهندس متخصص في المعلوميات مقيم بباريس شغوف بالمعرفة ومهتم بقضايا الانسان القروي وفنونه ونمط عيشه.
أمضي وقتي خارج العمل في المطالعة وفي تصميم محتوى مرئي وكتابي بالأمازيغية والعربية.

ممتاز جدا سي داموح أتمنى أن يكون الموضوع القادم حول الضرورة والحرية كمفهومين فلسفيين 👏❤️❤️
مرحبا! ان شاء الله.
حاول أن تتحدث عن تاريخ مناطقنا وشكرا لك جزيلا