داموح
مدوِن ومصمم مرئيات
داموح
مدوِن ومصمم مرئيات

مدونة

عُقُول ونُقُول!

28 أبريل، 2020 مقالات
عُقُول ونُقُول!

من يستقرأ ما يروج الآن حول ما  يسمى “بتجديد الفكر الإسلامي” و “الإصلاح الديني” و “التنوير” و”القراءة المعاصرة للقرآن والحديث” سيجد أن ما يُقال ويكتب يمكن تصنيفه إلى صنفين في النظر: صنف يريد للنص المقدس ان يهبط ليخدُم ما يرضي الناس في ما انْجَروا إليه في بعض الأمور المعاصرة ويُوائِمه بما يتماهى مع أهوائهم وأوحالهم.

وصِنف يريد للناس ان توَجِّه تدافعها لتحقيق مناطات النص المقدس وتعتد به مثالا تسعى إليه فيعلو ولا يعلى عليه.

ففي الصنف الأول يلتقي المتهافتون من المتعصبين الدينيين مع نظرائهم من المتهافتين الحداثيين ودعاة التغريب، إذ يتفقون في فهم النص فهما تجزيئيا اختزاليا دون تأصيل منهجي لا تعوزه الشرعية، فالمتعصبون المتخلفون يتبنون ما يفرزه هذا الفهم المزعوم من أحكام وتقريرات يحرضون عليها ودعواهم في ذلك الإخلاص للدين والحرص على التدين، أما نُظراؤهم من الحداثيين “المتقدمين” فيتفقون معهم في الفهم ويرفضون ما يفرزه هذا الفهم من الأحكام والتقريرات ويناضلون ضدها ودعواهم في ذلك هي تحقيق مقاصد الدين وحبهم للانسانية وضرورة الانفتاح واحترام حرية الإنسان في ممارسة الجنس مع من يريد! هو فهم واحد لا يختلفان فيه إلا أن الجاهل – بمعنى قِلة المعرفة! – المتخلِف يراه أخلاقيا والجاهل المتقدم يراه غير أخلاقي. وَبَين معارك الطرفين الخرافية يضيع كثير من العلم والتعقل ويزداد أوار التشنج ويتأجج فحيح الاستقطابية والاصطفاف الإديولوجي الذي يُفرَّق ويُحرِّق.

نهج هذين النمطين في التعامل مع النص يتمظهر في تنزيل متنه إلى مستنقع يُقوِّلونه فيه ما لا يقوله. 

ولهم في صنعتهم هذه مسلك لا يتم فيه التصريح بأصول أي مرجعية او منهجية مذهبية أو شرعية تظبط النظر في النص الذي لو صح تقديسه لما تم استسهال تناول متنه تناول العوام! 

فأحد الطرفين يريد أن يريح نفسه باسناد ما يتبناه من أحكام إلى آثار السلف الصالح وكأن السلف الصالح كانوا كلهم على رأي واحد ومذهب واحد! أما الطرف الاخر فيريد إراحة نفسه باسناد كل شيء إلى ما يعتقد أنه العقل وكأن العقل آلة واحدة تتوحد فيها كل المقدمات ولا يتعارض ما تفرزه من نتائج. 

ولنضرب لذلك مثلا مما يروج عن حديث سجود الشمس تحت العرش واستئذانها لله في الطلوع وهو حديث من صحيح البخاري. فالمتخلف يأخذ هذا النص بظاهر معناه ويعتقد ان قوانين الجاذبية والفيزياء التي تُرصَد بها حركات الأفلاك مغلوطة وأن فهمه لهذا النص يعارِض العقل المتفحِش الذي ينفي تنقل الشمس فيزيائيا تحت العرش! فحجته المنهجية في ذلك هي اخضاع العقل للنقل. أما نظيره المتقدم فهو يتفق مع الفهم ذاته إلا أنه يصفه بالخرافي و يستشنع عليه مناقضته لصريح العقل والعلم ويتهم رواة الحديث بدسه وبكونهم لم يُعمِلوا “العقل النقذي الذي تنهض به الأمم”، فحجته المنهجية في ذلك هي اخضاع النقل للعقل. 

هذه الآليات التحليلية في الفهم هي التي يَتوسل بها الطرفان في قراءة النص وفهم متنه. 

وقد يسأل سائل: هل من سبيل غيرِ هذا يمكن أن يُتَوسل به في فهم نصوص القرآن والسنة والاحتكام اليهما ؟ 

نَعَم! وهو سبيل من صنّفناه في من يريد الصعود بالناس إلى النص واعتماده مثالا يَهدي ويُرشد ويَعلو ولا يُعلى عليه. فالتعامل مع النص هنا تظبطه علوم بالغة الدقة أولها علوم البيان العربي الذي يلعب دور الواسطة في نقل المعنى للملتقي المتأهب للاهتداء. ثم تأتي علوم القرآن والتفسير وفنون تتبع الأخبار والمرويات والآثار لتأكيد مرام النص ومناط قضيته وذلك بمقابلته بما يماثل معناه وتتبع ما يناقضه حتى لو تقرر ما أُنْتِج في هذه الحركة العلمية وتم حدُّه: تأتي علوم الأصول في الفقه لتُأسس للمفاهيم والتصنيفات التعاقدية لكل مذهب او منهج أصولي حتى يُتوقَّى بها من النزعات الباطنية والأصواغ النفسية في ما ينتُج عنها من أحكام وتقريرات. كل ذلك بمناهج عقلية منطقية معلَّلة يُتَتبع فيها استقراء القرآن الكريم والسنة النبوية، في أي مسألة بداية من مُنطَلقِها الأصولي إلى حدود مَبلغِها الفرعي. ولتحقيق هذا “النشاط العِلمي الحقيقي” الذي يفي بالتقديس وحسن الأدب في التعامل مع النص: يلزم لمن يريد أن يُصلح وينَوِر ويُجدِد… أن يملك ناصية علوم معقدة أرسى أُسُسَها المتقدمون ونَقّحها ووسعها المتأخرون، حفاظا على الدين المكين الذي أُوصِي المسلمون بأن يوغِلُوا فيه برفق!

ولنَعُد إلى المثال الذي طرحناه أعلاه واتفق فيه الطرفان المعلومان على الفهم نفسه وتنازعا في حجيته، فنقول: مفهوم السجود في هذا الحديث المشهور هو بالمعنى التكويني الذي ينسحب على الملائكة وغير العاقل من المخلوقات وعلى الجمادات كما هو معنى التسبيح الذي تقوم به السماوات والأرض وما بينهما لخالقها المُكوِّن لها. أما معناه الذي يُعرف به في صلاة المسلمين والذي ينحصر مناطه في وضع الجبهة على الأرض فلا حجية له هنا. قراءة نصف صفحة في “لسان العرب” عن هذه الكلمة يكفي للتفريق بين سجود الإعظام الذي تقوم به كل الموجودات وبين ذاك المعروف في الصلاة!

وقد يريد من قد يريد أن يتحصن بالفلسفة في مواجهة هذا الطرح، فيصطدِم مثلا بابن سينا عندما يجده يقول بوقوع فعل العشق عند الجماد والنبات والحيوان، في رسالته عن ماهية العشق… فإن أثبت الفيلسوف العِشق للجماد فلِم لا يَثْبُت له السجود والتسبيح؟!

وعلى هذا المثال فقِس، لترى حجم ما سيتقصف من الطروحات “العقلانية” و”النقلانية” التي يكفي تبيين تهافت مقدماتها حتى تسقُط وتخذل “الأشواق العقلانية والنقلانية” لمُتَبنيها. 

خلاصة ما يجري أن من الناس اليوم من يدعوا إلى ما يعتقد أنه نَقْل وذلك بلا منهج علمي يُعتَد بشرعيته وهذا ما يجعله يتناول النص تناول العوام، ومن الناس من يدعو إلى ما يعتقد أنه العقل  وذلك بلا نظرية في المعرفة يُعتد بها في النظر فيخلط كلام الهوى والخواطر والجماليات الإنسانية بكلام العقل الذي وَجب أن تهيمن عليه مُقدمات التوحيد والتدين ويهيمن عليه ما يفي بتقديس النص القرآني مادام الجميع يتفق على كونه كلام الله.

تذكير بات لابد منه في هذا الزمن: لا شيئ سيمنعنا من أن نحب بعضنا البعض ونتراحم رغم أعمق اختلافاتنا!

الكاتب

داموح: مهندس متخصص في المعلوميات مقيم بباريس شغوف بالمعرفة ومهتم بقضايا الانسان القروي وفنونه ونمط عيشه. 

أمضي وقتي خارج العمل في المطالعة وفي تصميم محتوى مرئي وكتابي بالأمازيغية والعربية.

كلمات دليلة:
1 تعليق
  • الحسن أمرير 4:01 ص 19 فبراير، 2023 رد

    في الصميم

أترك تعليقا