العُمّال الجدد!
من يعتقد أن جيل الأطُر والمهندسين المغاربة في فرنسا اليوم أكثر تعلما وتحضرا من جيل أجدادهم الذين جاؤوا للعمل في مناجم فرنسا ومصانعها في منتصف القرن العشرين: فهو واهم!
لكأنما يبدو لي أن جيلنا هذا أضعف ثقافة وأقل إنسانية وأسوأ ذوقا… ولست في حكمي هذا مبالغا ولا مجحفا ولا كارها لجيلي الذي أعرفه جيدا وأعرف مايستبد باهتماماته وأشُم ما تجري إليه تيارات تطلعاته التي لا تعلو في أقصاها على طلب الاستمرار في البقاء ضمن طبقة اجتماعية يحسبها مريحة وتقيه شرورا كان قد عرفها جيدا في العالم الثالث الذي جاء منه.
هذا الجيل الذي لا يرى العلم والنبوغ الا في تعميق اتقانه وتخصصه في مجالات هندسية مجهرية لا تختلف عما كان يفعله اجداده إلا في ابتكار حلول لمضاعفة إنتاج القيمة القابلة للتسويق في نظام رأسمالي لا يقوده أي توجه أخلاقي. فحدود معرفة الجد العامل اليدوي كانت في إنتاج الفحم وتركيب أجزاء السيارات وصباغتها… وحدود معرفة الحفيد المهندس ينحصر اليوم في ما يجعل مدير شركته أنجح في إنتاج قيمة ما وبيعها… فالتحليل المنطقي والمجهود الذهني المُؤطَر عند المهندس لا يُنتج به خارج المكاتب المكيفة شيئا، ذلك أن الشارع والأسرة تحكمهما أطر وجودية أخرى يلزم للإنسان ان يواجهها بذكاء أوسع وعقل اكثر مرونة وأكثر قوة من ذاك الذي يتم استثماره في السياقات المهنية المادية، ولا تُؤتَى أسباب الحياة لهذا العقل إلا بطلب الحكمة الروحية الدينية والفلسفية التي كان الأجداد متمسكين بها مع انفتاحهم… ولذلك ما سمعنا عن جيلهم بالتعصب الديني والتزمت.
قد يَحتجّ علي من قد يحتجّ: باغفالي أن جيلنا غير أمِّي وقد أوتي من وسائل التعلم والمعرفة ما لم يكن عند جيل الأجداد الذين لم يكونوا يقرؤون الجرائد ولم يعرفوا “مُتَنوري” اليوتيوب والبوب ساينس… وهذا احتجاج باطل فجيلنا لا يقرأ فعلا إلا ما يكفي لتطوير مهاراته المهنية، اما القضايا الكبرى التي تُشكل عالمه الذي يؤثر فيه فهو شبه مغيب عنها، فأغلبه لا يعرف عن الدين الا الأركان الخمسة وعلاقته بالقرآن يُعوزها إتقان اللغة العربية وتذَوق نُكَتها البلاغية فيقرؤُه بالمعاني الدارجة اليوم… اما عن العلوم المادية فهُم لا يعرفون عنها إلا التعميمات التي لا تحَبِّبهم في تاريخها ولا تزيد من تنصيع ملكاتهم العقلية والأخلاقية التي تجسد مرامَ العلم وغايتَه! هُم أمييون جدد بألبسة أنيقة يعيشون في فرنسا، يعرفون الدخول المدرسي ولم يسمعوا عن مفهوم الدخول الأدبي والثقافي السنوي أبدا!
اما عن البوب سايونس فقد كان للاجداد منه ما كان أكثر جودة في دروس المختار السوسي وغيرها عبر المذياع اذ كان لها تأثير أخلاقي وتوعوي حقيقي يجعلهم أقوياء أمام أزمات الموت والمرض والفراق مع الزوجات اللائي كن ينتظرن وصل الأجساد والعيون والخواطر من صيف إلى صيف!
هذا كله ولم نذكر ظواهر مُعقدة من الاستلاب واحتقار الذات وجلدها وإلالحاد والانفصامية والتعصب والأفكار الطبقية التي قوضت فرص الزواج… هذه الظواهر التي تتفشى في جيلنا الفائق العبقرية أمام الحواسيب، والذي يفشل في أبسط اختبار إيماني أو قيَمي انساني!
ومما يقد يُحتَجّ به علي في هذا القول البالغ التعميم: أن في شباب جيلنا اليوم نخبة واعدة من مثقفين وعباقرة أسسوا شركات عالمية وفنانين وسياسيين…
فأندهش: ياللمصادفة السعيدة التي حققت ذلك! ألم يحدث هذا في جيل الأجداد أيضا ؟! فسياسيوهم كانوا أعنف وأقوى خطابا ونصوص كتاباتهم كانت أصدق وأعمق… كما أن تتلمذهم عند الأوروبيين لم يكن بهذا الخنوع والتزكية التي نلمسها عند بعض من يوصفون بالمثقفين والذين لا تكف عقول بعضهم “المتَّقدةُ النَّقْذِ” عن نقذِ وجود الله اليوم!
خلاصة الكلام أن التقدم والتثقف والتحضر في جيلنا وهم اخر من “أوهام السوق”.
فلنتواضع اذا يا عُمَّال فرنسا الجدد!
الكاتب
داموح: مهندس متخصص في المعلوميات مقيم بباريس شغوف بالمعرفة ومهتم بقضايا الانسان القروي وفنونه ونمط عيشه.
أمضي وقتي خارج العمل في المطالعة وفي تصميم محتوى مرئي وكتابي بالأمازيغية والعربية.

جميل جدا بارك الله فييك 🌹♥️
وفيك بارك سي رضا
شكرI لك على هذه المقارنة، وعلى اهتمامك الجد بتنوير الشباب بالدين والثقافة الامازيغية.
معجب جدا بالمواضيع التي تطرحها. بالتوفيق لك
عبدالرحمن .